كان في أيام سليمان بن عبد الملك رجلٌ يقال له (خُزيمة بن بشر) من قبيلة بني أسد التي تسكن منطقة الرقة . وكان صاحب مروءة وكرم وفضل…..ولم يزل على تلك الحال حتى ضاقت عليه الدنيا، واحتاج إلى إخوانه الذين كان يتفضل عليهم فيما مضى من الأيام . فواسوه وأحسنوا إليه أياما وأسابيع ثم ملّوه وتخلوا عنه، فلما رأى تغيرهم عليه، حزن كثيراً ولزم بيته . وكان الوالي على الجزيرة الفراتية في تلك الأيام رجل إسمه (عكرمة الفيّاض الرّبعيّ) وبينما هو ذات يوم مع أصدقاءٍ له يتسامرون ويتحدثون،إذ جرى ذكر (خزيمة بن بشر) وكان عنده عدد من وجوه البلد . فقال عكرمة : ما حاله - أي خزيمة - ؟
فقالوا : لقد صار من سوء الحال إلى شئٍ لا يوصف ، ولزم بيته من شدة الضيق .
فقال عكرمة : ألم يجد من إخوانه مواسٍ ولا مُكافئ ؟
قالوا : لا .
فصمت عكرمة ، وأمسك على ما في نفسه . فلمّا كان في الليل ، أخرج من ماله أربعة الآف دينار فجمعها في كيس ، ثم خرج متخفيّاً . حتى وصل دار (خزيمة بن بشر) ، فقرع الباب ، فخرج خزيمة بعد هدأةٍ من الليل ، فقال له خزيمة : من أنت ؟
فناوله الكيس ، وقال له : أصلح بهذا حالك .
فقال له : من أنت ، جُعِلتُ فداءَك ؟
فقال له عكرمة : ما جئتُ في هذه الساعة وأنا أُريد أن تعرفني .
قال خزيمة : ما أقبله ، أو تُعَرِّفني من أنت ؟
فقال عكرمة : أنا جابر عثرات الكرام .
قال خزيمة : زدني - أي معرفة بك - ؟
قال عكرمة: لا ثم مضى .
وفي صباح اليوم التالي،قام عكرمة وأصلح من حاله،وقام بتسديد الديون التي عليه....ثم قام بتجهيز نفسه يريد الذهاب إلى سليمان بن عبد الملك بفلسطين فلما جاءه وسلم عليه
قال سليمان:يا خزيمة ، ما أبطأك عني ؟
قال: سوء الحال .
قال سليمان : ما منعك من النهوض إلينا ؟
قال : ضعفي عنها
قال سليمان : فبِمَ نهضتَ ؟
قال عكرمة : يا أمير المؤمنين،كنت في هدأة الليل ، وإذا رجلٌ قد وقف بباب بيتي ، فكان منه كذا وكذا وأخبره القصة .
قال سليمان : هل تعرفه ؟
قال : ما عرفته يا أمير المؤمنين ، وذلك أنه كان متنكراً .
فتأسّفَ سليمان على عدم معرفته . وقال : لو عرفناه ، لأعَنّاهُ على مروءته ، وأكرمناه .
وقام سليمان بن عبد الملك بتعيين خزيمة أميراً على الجزيرة ، مكان عكرمة الفيّاض
ومضى خزيمة إلى الجزيرة ، وأصبح والياً عليها ثم وجد أن هناك ديوناً كثيرة على عكرمة الفيّاض فبعث إليه في أدائها فقال عكرمة : ما لي إلى شئٍ منها سبيل ، ما هي عندي ، واصنع ما أنت صانع .
فأمر أن يُكَبّلَ بالحديد ، فأقام على ذلك شهراً فعلمت بذلك إمرأةُ عكرمة ، فأرسلت جاريتها لتقول للوالي : ما هكذا جزاءُ (جابر عثرات الكرام) منك ، كافأته بالحبس والضيق والحديد .
فصاح خزيمة : وا سَوأتاه!وإنّه لَهُوَ .
فقالت : نعم ثم ذهبت .
وبعث خزيمة إلى وجوه أهل البلد ، فجمعهم،ثم خرج بهم إلى الحبس فلما رآه السجّان قام إليه مذعوراً .
فقال له : إفتح ففعل ، فدخل هو ومن معه ، فوجد عكرمة في ساحة الحبس قد أصابه الضُرفأكَبّ خزيمة على رأس عكرمة يُقَبِّلُهُ .
فرفع عكرمة رأسه إليه وقال : ما الذي دعاك لمثل هذا ؟
قال خزيمة : كريمُ أفعالك ، وسوءُ مُكافأتي .
قال : يغفر الله لنا ذلك .
فأُتي بالحداد ، ففكّ القيود من رجليه ، وأمر أن تُطرح في رجليه هو - أي خزيمة -
فقال عكرمة : تُريد ماذا ؟
قال خزيمة : أريد أن ينالني من الضُرّ والحبس كمثل ما نالك .
قال عكرمة : والله لا كان ذلك،فخرجوا جميعاً .
وطلب الوالي خزيمة من عكرمة الفياض أن يسير معه إلى سليمان بن عبد الملك فقبل فاما وصلا عنده ، قال سليمان للوالي : ما أقدمك ؟
قال خزيمة : وجدتُ (جابر عثرات الكرام) ، وأحببتُ أن أسُرّكَ به لما رأيتُ من تَلَهُفِكَ عليه
قال : ومن هو؟
قال : (عكرمة الفيّاض) .
قال سليمان : ما كان خيره منك إلا وبالاً عليه ، فسلّم عليه ، ورحّبَ به ، وأدنى مجلسه .
ثم قال : يا عكرمة ، إرفع حوائجك كلها .
قال : إعفني يا أمير المؤمنين .
قال : لا بُدّ .
ثم دعا سليمان بدواةٍ وقرطاس ، وقال : إعتزل ناحية ، واكتب جميع حوائجك . ففعل ، ثم أتاه برقعة فوقّعَ عليها : تُقضى حوائجه .
ثم أمر له بعشرة الآف دينار ثم عَيّنه أميراً على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية ، وقال له : أمرُ خزيمة لك إن شئتَ فاعزله ، وإن شئتَ فاتركه في عمله .
فقال : بل أزيده عملاً إلى عمله يا أمير المؤمنين .
Share To:

Mohamed Hassan

Post A Comment:

0 comments so far,add yours