لما التقى سنبين بالملك "وي" ، حاكم دولة - تشي - ، قال لجلالته : ’’لا ينبغى أن تكون الحرب هى الحل الدائم على طول المدى’’ واعلم يا مولاى ، أن هذا الرأى ليس من ابتكارى بل هو نتاج ما توصل إليه الأباطرة بالتجربة على مدى السنوات الطويلة ، ذلك أنه إذا تحقق النصر بالقتال ، تجدد البقاء لأمة كانت على حافة الخطر ، وكتب لأهلها وعشائرها حياة باقية ووجود جديد ؛ أما إذا منيت بالهزيمة ، تنازلت عن أرضها صاغرة مستسلمة ، وتعرضت الأوطان وأهلها لمخاطر تتهدد الوجود والحياة ؛ ومن ثم فالحرب مسألة تستحق كل الاهتمام والتأمل الجاد والدراسة الدقيقة . 
وعلى مر الزمان كان المولعون بالحرب هم الذين جلبوا على الأوطان الدمار والضياع ، وكان الساعون وراء النصر بأى ثمن هم الذين حاق بهم الخزى والعار .
إن دفع القوات إلى الحرب ليس مسألة عبثية ، كما أن السعى إلى النصر ليس مجرد أمل أعمى ، إن الشئ الوحيد الذى يعود بنفع حقيقى هو اتخاذ الاستعداد التام للحرب مسبقا وقبل الشروع فى أي تحركات ، فذلك قمين بأن يجلب الإنتصار .
وهكذا نستطيع أن نفهم كيف كانت مدينة صغيرة تستبسل فى الصمود ، لا لشئ إلا أنها تعتمد بشكل أساسى على موارد وفيرة ، ولديها مدد كاف بفضل الإستعداد الدائم .
ونستطيع أن نفهم أيضا كيف كان عدد محدود من الجند يناضلون بقوة وثبات ، لمجرد أنهم يقفون فى الصف الذى يحارب لأجل قضية عادلة .
لن يثبت فى القتال كل من أراد المثابرة دون سند من استعداد ورصيد من المؤن ، ولن يحقق أى نصر ، من شن حرباً جائرة .
وأذكر لجلالتك ، فيما يلى طرفا من سيرة الأباطرة القدماء .
فعندما تولى تولى الإمبراطور "ياو" زمام الحكم فوق الممالك قديماً ، أعلنت سبع قبائل العصيان ورفضت الإذعان لسلتطه ؛ كانت اثنتان منهما تقعان فى المنطقة الشرقية (حيث تقطن القبائل الهمجية) .
بينما كان أربعة منها تقيم فى المنطقة الوسطى .
وكان أن قام الإمبراطور بالإغارة على المناطق البعيدة المتاخمة لساحل البحر فأغناه ذلك عن بسط نفوذه فى الأقاليم الشمالية ؛ ذلك أن أهل تلك الاقاليم أذعنوا للسلم (دون قتال) ، ثم ما لبث أن أغار على أحد ال زعماء القبائل المتمرده ، ويدعى "قون كونغ" فكان ذلك الكفاية ، حتى إنه لم يعد فى حاجة إلى إعلان الحرب بعد ذلك على أحد من المتمردين ، (لدرجة أن بقى الجيش غير منشغل بأعباء قتال بعدها) ، ظلت الحال على ذلك بضع سنين حتى هرم الإمبراطور وأدركته الشيخوخة ، فلم يعد يقوى على حكم البلاد ، فسلم زمام الملك للإمبراطور "يوشون" من بعده ، وحدث أن "يوشون" هاجم القبائل المتمردة تحت زعامة "هواندو" ، وقبض عليه ونفاه إلى منطقة نائية تسمى -تشونشان- ، ولم يكد يتم ذلك حتى قاد هجوما آخر ضد "قون" ، وهو أحد متمردى القبائل وحكم عليه بالنفى إلى منطقة "يوشان" ، .
وباﻹضافة إلى ذلك ؛ فقد غزا تجمعات القبائل فى -سان مياو- وطارد فلولها حتى إقليم -سانوى- ، ثم ما لبث أن قام بسحق العصاة والخارجين عليه فى المناطق الوسطى من أهالى قبيلة "يوخو" القديمة ، غير أن بعضا ممن بقى على قيد الحياة من قبيلة "سان مياو" اتحدوا فيما بينهم ، واشتد ساعدهم ، وقويت شوكتهم ، مرة ثانية ، وصاروا قوة لا يستهان بها ؛ وهنالك كان الإمبراطور "يوشون" قد تقدم به العمر كثيرا وعجز عن تسيير دفة الحكم فى البلاد ، فسلم السلطة إلى خلفه الملك "شيا يو" الذى مهد الطرق عبر المناطق الوسطى ، وأزال الحشائش والأعشاب البرية والغابات الكثيفة (بغرض استصلاح الأرض للزراعة) وطارد قبائل "سان مياو" حتى نزحوا تجاه الغرب ومن ثم (..وهكذا فأعلم أنه..) لا غلبة للقاعدين ؛ فالنصر لا يتحقق لمن ركنوا إلى الاسترخاء والدعة ، ولا تنقاد الجموع وتذعن بالخضوع إلا لمن قهر أعداءه ، وتحقق له الرسوخ والتمكين .
ومما تشهد به وقائع التاريخ البعيد أن الإمبراطور "شينو نغ" قاد معركة ضارية ضد قبائل "بوسوى" [يقال بأنها أول المعارك الصينية الموثقة تاريخيا] ؛ أما الإمبراطور الأصفر "هواندى" فقد أحرز نصرا مظفرا على القبائل المتمردة تحت زعامة "تشيو" ، وذلك فى معركة -جولو- ؛ وكذلك قاد الإمبراطور "ياو" حملة تأديبية ضد قائد المتمردين "قونكونغ" ؛ ويذكر أن الملك "شون" قد أغار على "جوقوان" ؛ هذا وقد قام الملك "طانغ" بإقصاء الملك "جيه" عن العرش ونفاه بعيدا ["جيه" آخر ملوك أسرة "شيا" الملكية ، وكان طاغية غشوما] ، ولم يتوان الملك "أو" عن الإغارة على الملك "جو" [آخر حكام أسرة "يين" الملكية ، وقد خلعه الملك "أو" عن الحكم وأجبره على الإنتحار حرقا] ، بل إن القون "تشو" قد قام على رأس قوات ذات عتاد وعدة ليسحق التمرد الذى تردد فى جنبات دولة "شانيان" .
ونخلص من ذلك كله إلى نتيجة مفادها أن أولئك الذين يزعمون أنهم يهدفون إلى تجنب اللجوء إلى القتال واهمون فى زعمهم ؛ فأفكارهم فى هذا الصدد محض تصورات جوفاء ، والغريب أنهم يزعمون هذا الزعم برغم أنهم ليسوا على شئ مما كان يملكه الأباطرة الخمسة من الحكمة ، ولا حازوا شيئا مما كان يملكه القون "تشو" من العلم والمعرفة ، وحجتهم فى هذا القول أنهم سيطبقون سياسات قائمة على المبادئ الإنسانية ، والتعاليم والآداب وقواعد السلوك القويم ؛ للحيلولة دون قيام أسباب الحرب من الأساس .
إلا أنهم يجهلون أن الأباطرة والملوك القدامى ، قد سبقوهم إلى انتهاج تلك الوسائل والسياسات ، لكنها لم تغنهم عن اللجوء إلى القتال ؛ فلا مفر من الحرب وسيلة لتسوية الأزمات .
Share To:

محمد حسن

Post A Comment:

0 comments so far,add yours